السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

62

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

في دين اللّه بمبالغتهم بالعناد والتمرد والإصرار علي الكفر « فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ » من المؤمنين الذين ركبوا « فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ » جمع خليفة ، أي أبقيناهم يخلفون الهالكين غرقا فيسكنون الأرض ويعمرونها بدلهم « وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا » لإصرارهم على الكفر وأهلكناهم « فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ 73 » فإنها عاقبة مشئومة ، وقد مرت القصة في الآية 58 من الأعراف في ج 1 ، ولها صلة في الآية 25 من سورة هود الآتية ، وفي هذه الجملة إعلام بتهويل ما جرى عليهم وتحذير لمن يكذب الرسل وتسلية لحضرة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم بما يلاقيه من قومه ، وتخويف لقومه بأنهم إذا لم يؤمنوا تكون عاقبتهم الهلاك مثل قوم نوح ، إذ جرت عادة اللّه تعالى أن يوقع الهلاك بعد الإنذار ، ومن أنذر فقد أعذر ، والنظر قد يكون بالبصر وبالبصيرة ، وعند الخاصة يكون بالبصيرة أكثر منه بالبصر ، قال تعالى « ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ » أي نوح عليه السلام « رُسُلًا » كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام ، وهؤلاء ما بين نوح وموسى عليهم السلام « إِلى قَوْمِهِمْ » كعاد وثمود وغيرهم ممن قصّ اللّه تعالى علينا ومن لم يقصّ « فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » الدالة على نبوتهم المثبتة لرسالتهم والحجج المبينة لصدقهم والبراهين الموجبة للإيمان بهم « فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا » بما أظهروه لهم من المعجزات الباهرات ، ولم يتبعوا الشرع الذي جاءوهم به « بِما » بالذي أمرهم به رسلهم بلزوم اتباعه من أصول الدين وفروعه الذي « كَذَّبُوا بِهِ » أمثالهم « مِنْ قَبْلُ » مجيء الرسل إليهم بل أصروا على كفرهم وعنادهم ، وجروا على نهج قوم نوح في اتخاذ التكذيب ذريعة ، ولم يرتدعوا بما وقع على من قبلهم من العذاب ، وكأنه لم يكن ، إذ لم يغيروا حالتهم بعد بعثة الرسل ، كأنه لم يبعث إليهم أحد وينذرهم عاقبة أمرهم ، ويخوفهم سوء أعمالهم ، ويزجرهم عن المنكرات ، ويأمرهم بالمعروف « كَذلِكَ » مثل ما طبعنا على الباغين الأولين « نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ 74 » المتجاوزين حدودنا ، الخارجين عن طاعتنا ، الباغين على عبادنا ورسلنا .